تدهور في تنافسية السلع اللبنانية -- Aug 18 , 2026 25
تراجعت طلبات التصدير الجديدة لدى شركات القطاع الخاص اللبناني بشكل حادّ في تموز بحسب مؤشّر مديري المشتريات. وأظهر المسح أن الأعمال الجديدة الواردة من العملاء الدوليين تتراجع بوتيرة أسرع من الشهر السابق. سبب ذلك كما تقول الشركات، يعزى إلى ارتفاع أسعار الشحن وانعدام الاستقرار في المنطقة. هذا الوضع، كما يبدو، سيبقى لفترة طويلة على هذه الحال، وهو ما سيؤدي إلى القضاء على ما تبقى من تنافسية للسلع اللبنانية في الخارج.
في تموز الماضي، انخفض مؤشّر طلبات التصدير الجديدة من 46.5 نقطة في حزيران إلى 40.4 نقطة في تموز، مبتعداً أكثر عن مستوى الـ50 الفاصل بين النمو والانكماش. هذا الرقم هو معدل لاستبيان في السوق وليس لمسح، ما يعني أن هناك قطاعات تسجّل قراءات في المؤشر أقلّ. إنما بشكل عام، هذا المستوى المتدنّي لهذا المؤشّر له دلالات لدى الصناعيين المصدّرين الذين لم يتمكّنوا بعد من العودة إلى الأسواق الخليجية بعدما اصطدموا بارتفاع كلفة الشحن، وبالاضطراب السائد في المنطقة، وبمنافسين ملأوا الفراغ الذي تركه لبنان خلال سنوات غيابه عن بعض أسواقه الأساسية. أما في قطاع الزراعة، فيؤكد المصدّرون أن هناك طلباً على المنتوجات اللبنانية، لكن نقص الشاحنات وارتفاع كلفة النقل يحولان دون الاستفادة من ذلك. وفي الحالتين، تبقى قدرة المنتج اللبناني على الوصول إلى الخارج هي العقدة الأساسية.
ويقول نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين زياد بكداش، في حديث مع «الأخبار»، إن التصدير إلى المنطقة الخليجية، التي تشكل سوقاً أساسية للمنتجات الصناعية والزراعية اللبنانية، لا يزال «خجولاً نوعاً ما»، رغم إعادة فتح الأسواق السعودية أمام لبنان ومنها إلى دول خليجية أخرى. فالتصدير عبر المطار عاد بصورة طبيعية، إلا أنه لا يشكل بديلاً فعلياً للكميات التي تحتاجها حركة التصدير. ويوضح بكداش أن ما يُرسل جواً هو في الغالب شحنات صغيرة، «5 كيلو و10 كيلو و20 كيلو، هيدي ما بتعمل التطور بالميزان تبع الصادرات». لذلك، تبقى استعادة حركة التصدير مرتبطة أساساً بقدرة لبنان على نقل كميات أكبر براً وبحراً.
على الخط البرّي، ينتظر المصدّرون استكمال تشغيل جهاز السكانر الذي نُقل من مرفأ بيروت إلى المصنع، بعدما احتاج إلى قطع إضافية. ويرى بكداش أن تشغيله من شأنه أن يزيد حركة الصادرات البرية، لكن ذلك لا يحل المشكلة الأساسية: كلفة نقل البضائع إلى الأسواق الخليجية. فالشحنة التي كانت تصل، بحسب بكداش، إلى قطر أو الكويت بنحو 2500 دولار، باتت تكلف اليوم نحو 5500 دولار براً، فيما تتراوح كلفتها بحراً بين 6000 دولار و7000 دولار. وهي زيادة تنعكس مباشرة على سعر المنتج اللبناني في السوق المستهدفة. ويختصر بكداش المشكلة بالقول: «رح يكون تقريباً تلت حق البضاعة هو شحن، يعني بطلنا منافسين بالنسبة للمنطقة».
وتتقاطع هذه الشكوى مع نتائج مؤشر مديري المشتريات، إذ ربطت الشركات المشاركة في المسح تراجع مبيعاتها الدولية بارتفاع أسعار الشحن وعدم الاستقرار الإقليمي. كما سجل المسح في تموز أطول تأخير في مواعيد تسليم الموردين منذ أيلول 2020، نتيجة اختلالات في سلاسل الشحن في الشرق الأوسط.
إلا أن خفض كلفة الشحن، وحده، لا يعيد للصناعة اللبنانية موقعها السابق في الأسواق. ففي السعودية تحديداً، يعود المنتج اللبناني إلى سوق غاب عنها سنوات، فيما لم يبقَ المنافسون في انتظار عودته. ويقول بكداش إن الصناعيين «عم يرجعوا يدرسوا الأسواق عن جديد كأنه أول مرة منفوت على الأسواق»، بعدما دخل خلال سنوات الغياب منافسون من تركيا والصين ومصر واستحوذوا على جزء من الحصة التي كان يحتلها المنتج اللبناني.
وفي الوقت نفسه، انعكست الحرب على الأسواق الخليجية نفسها. وبحسب بكداش، تراجعت حركة الأعمال فيها بنحو 50%، ما دفع التجار إلى تخفيف طلباتهم من الخارج. وهكذا، يواجه الصناعي اللبناني كلفة أعلى لإيصال بضاعته، فيما يحاول في الوقت نفسه استعادة حصته في سوق أصبحت أكثر حذراً في الاستيراد.
في الزراعة، تبدو الصورة مختلفة. فرئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي لا يرى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في غياب الطلب الخليجي. على العكس، يؤكد أن الأسواق متاحة وأن الطلب على المنتجات اللبنانية موجود، لكن حركة التصدير البري لم تعد إلى مستواها الطبيعي بسبب نقص الشاحنات العاملة على الخط.
ويقول ترشيشي: «ما في سيارات كافية على الخط»، ما يؤدي، مع ارتفاع الطلب على العدد المحدود منها، إلى ارتفاع أجور النقل. وبحسب تقديراته، قد تصل أجرة الشاحنة إلى نحو 10 آلاف دولار، أي ما يوازي حوالى 350 إلى 400 دولار للطن، ما يرفع العبء على المنتج الزراعي قبل وصوله إلى السوق الخارجية.
ويحمّل ترشيشي الدولة المسؤولية عن هذا الاختناق، بسبب عدم إتاحة استيراد وتسجيل عدد كافٍ من شاحنات النقل الخارجي وتجديد الأسطول. وبذلك، يصبح أحد العوائق الأساسية أمام زيادة الصادرات الزراعية داخلياً: هناك بضاعة قابلة للتصدير وسوق مستعدة لاستقبالها، لكن وسائل نقلها غير كافية وكلفتها مرتفعة.
وتزداد أهمية ذلك خلال الصيف، الذي يشكل، وفق ترشيشي، موسماً مهماً للمنتجات الزراعية اللبنانية في دول الخليج. فمع اشتداد الحرارة هناك تتراجع وفرة بعض المنتجات من مصادر أخرى، ما يعزز موقع المنتج اللبناني. ويقول: «في طلبات وفي بيع وفي أسواق كتير كويسة، والناس بلشت تستعيد ثقتها ببضاعتنا، والتاجر رجع بلش يدور بده يحمّل».
وهنا تظهر المفارقة التي لا يكشفها رقم 40.4 نقطة وحده. فتراجع مؤشر طلبات التصدير الجديدة لا يأخذ الشكل نفسه في مختلف القطاعات. في الصناعة، ثمة ضغط على الطلب بفعل الحرب وتراجع حركة الأسواق، بالتوازي مع كلفة شحن مرتفعة ومنافسة أقوى في أسواق غاب عنها لبنان لسنوات. وفي الزراعة، يقول المصدّرون إن الطلب موجود، لكن القدرة على تلبيته تصطدم بنقص الشاحنات وكلفتها.
زينب بزي - الاخبار